حسن ابراهيم حسن

250

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

عن السبب في قبول هذا الصلح . ولم يفارقه رأيه واجتهاده طوال حياته ، وخاصة بعد موت الرسول وانقطاع الوحي وحرمان المسلمين من شخص الرسول الذي كان المرجع الأخير في حل المشكلات وتوضيح المبهمات . روى عن عمران بن سوادة قال « صليت الصبح مع عمر فقرأ سبحان ( أي سورة الإسراء ) وسورة معها ، ثم انصرف ، وقمت معه فقال : « أحاجة ؟ » قلت « حاجة » ، قال : « فالحق » ، فلحقت . فلما دخل أذن لي فإذا هو على سرير ليس فوقه شئ ، فقلت : « نصيحة » . فقال : « مرحبا بالناصح غدوا وعشيا » . قلت : « عابت أمتك منك أربعا » ، فوضع رأس درته في ذقنه ، ووضع أسفلها على فخده ثم قال : « هات ! » قلت « ذكروا أنك حرمت العمرة في أشهر الحج ، ولم يفعل ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا أبو بكر رضى اللّه تعالى عنه ، وهي حلال » . قال : « وهي حلال لو أنهم اعتمروا في أشهر الحج رأوها مجزية من حجهم ، فكانت قائبة « 1 » ، قوب عامها ، فقرع حججهم وهو بهاء من بهاء اللّه ؛ وقد أصبت » . قلت : « وذكروا أنك حرمت متعة النساء ، وذكر له أشياء أخرى أتى بها عمر من غير أن يسبقه في ذلك مثل أو قدوة من عهد الرسول أو أبى بكر ، فأجابه عمر عن كل منها وشرح له حكمتها والأسباب التي دعت إليها ، فاطمأن ابن سوادة وزالت شبهته ( الطبري 5 : 42 ) . ومما يدل على نفاذ بصيرة عمر وحسن تقديره للأمومة ودقة فهمه لنفسية الشعب العربي ، ما قاله لعمران هذا في آخر ذلك الحديث ، حين شكا من زجره الرعية ، إذ شرع الدرة ثم مسحها حتى أتى على آخرها ثم قال : أنا زميل محمد ، فو اللّه إني لأرتع فأشبع ، وأسقى فأروى ؛ وأنهز اللفوت وأزجر العروض ، وأذب قدرى ، وأسوق خطوى ، وأضم العنود وألحق القطوف ، وأكثر الزجر ، وأقل الضرب . وأشهر العصى ، وأدفع باليد ، لولا ذلك لأعذرت ، حتى قال معاوية لما بلغه ذلك الكلام . كان واللّه عالما برغبته . وقد أراد عمر بذلك أن يهيىء للرعية جميع وسائل الراحة والطمأنينة بالعدل وصيانة الحقوق ، ثم يضرب على أيدي المعتدين ويكف المفسدين .

--> ( 1 ) يريد أنه لو أتيحت لهم العمرة زمن الحج لاكتفوا بها عن الحج فبطل الحج وهو فريضة مهمة .